صحوة ضمير وصرخة جنين

مشاهدة
أخر تحديث : الجمعة 5 يناير 2018 - 6:13 مساءً
صحوة ضمير وصرخة جنين

سمع تهاليل ما قبل آذان الفجر تشقّ سكون الليل ، توضّأ وأسرع للمسجد كي يكون أوّل الملتحقين كعادته …
طول طريقه ردّد إبراهيم أدعية الصباح التّي حفضها عن ظهر قلب…
ابن الثانية والعشرين لم تفته يوما صلاة الجماعة بمسجد حيّه ، خصوصا بعد أن أنهى تخصّصه بالجامعة في الشريعة الاسلامية…

كانت إنارة الشارع خافثة ، حجبت عنها رطوبة المحيط نورها ، وأمواجه الصاخبة تهزّ المكان ، والمدينة  ساكنة كأنّ لاحياة فيها ، عكس صباحها المكتضّ بالحركة والضوضاء…

وهو مسرع الخطى ، لمح إبراهيم طيفا في جنح ظلام زقاقٍ ، يلتفت وحركاته مريبة ، تتبّع الطيف إلى أن رآه وضع رزمة أمام المسجد وهبّ هاربا…
لكنّ يد إبراهيم كانت أكثر سرعة ، فأمسك به وأحكم قبضته على هذا المتسلل المتخفّي ، وبيده الأخرى أزال اللثام عن وجهه ، فكانت مفاجأته أكبر حين رأى أنّها فتاة في مقتبل العمر ، لم تبلغ بعد العشرين من عمرها…

ارتاب في الأمر وملأت الهواجس رأسه وقلبه ، اهتزّ رعبا من متفجرات قد تهزّ المكان في أيّ لحظة ، وقد تكون الفتاة نفسها قنبلة موقوتة ، ودون وعي مدّ يده يتحسس خصرها …
لكنّها نهرته بقوّة وسخط :
ـ أتركني وشأني ما تريد مني أيّها…
قاطعها بحدّة وصوت حازم
ـ ألا تفكرون أيّها المجرمون… حتّى بيوت الله تتعدون على حرمتها …أليس من دخل بيت الله فهو آمن.
ـ الله كريم ..الله كريم ، أتركني أريد أن أرحل ..أتركني من فضلك
ـ عليّ أن أسلّمك للشرطة ..أيّتها المجرمة ، كيف تفعلين هذا .. نطق بغضب
ـ ما ذنبي أنا …ماذا أفعل .. فقط أبحث له عن أسرة افتقدتها أنا
قالت والدموع تنهمر من عيونها ، وهي تترجّاه أن يُخلّي عن سبيلها

استغرب كلامها ، لكنّ صراخ رضيعٍ وضّح له الامر

ـ لاحول ولا قوّة إلاّ بالله ..لاحول ولا قوّة إلاّ بالله ..
لما تتركين رضيعك هنا ، ألا تخافين الله ، كيف سمحتْ لك أمومتك بفعل هذا…

ردّتْ بصرخة من صميم قلبها وشهيق البكاء يقطّع أنفاسها
ـ و كيف سمحتْ لكم أنفسكم أن تفعلوا بي هذا أيّتها الوحوش البشرية ، كم أنتم قاسون …
و لما سترحمونني وحتّى عائلتي لم ترحمني قبلكم …
ظالمون حتّى بأحكامكم…
فقط لأنّني أنثى ليس لي الحقّ بالكلام ، حتّى ولو للدفاع عن نفسي…
عائلتي ربّتني على الصمت والتحمّل ، لم أجد من يفهمني ويأخذ بساعدي
أخٌ يأمر ويهدّد… أبٌ متسلّط بجبروت قوّته ويتوعّد …طلباتهم أوامر ..
لم أجد صدرًا حنونا أحكي له مُصيبتي أو حتّى منْ يمكن أن يتفهّمني لو عرف ما أصابني ..

أطلق إبراهيم قبضته ، وطلب منها أن تحكي قصّتها

ـ كنت طالبة في الثانوي ، توجّهت كعادتي في صبيحة يوم بغيض إلى مدرستي ، وإذا بوحش بشري يعترّض طريقي بسلاحه الأبيض ، لم يرحم توَسّلي ، ولا المارّة استجابوا لاستنجادي… لا نخوة ولاشرف ، وكأنّ الواقعة صورة عادية لايشوبها اعواج …
إستفرد بي واغتصبني ،  وأخذ صورًا لجرمه ولي ، وأنا عارية بعد أن جرّدني من حجابي وأخد عفّتي ، وهدّد بنشر صوري عبر النت …
فكان بعدها الصمت…
لكن أبتْ الفضيحة إلاّ أن تترك بصمتها ، فشهر بعد شهر أحسستُ الحياة في أحشائي ، فلم أجد بدًّا من الهرب من المنزل إلى الرباط ، فآوتني عجوز خدمتها ، كنت كممرضة وخادمة لها  ، مقابل أكل بقايا طعامها وسقف بيتها…
عمرُ طفلي الآن ثلاثة أشهر…قالتها بصوت يمزج الفرح بالألم ، وهي تضمّه بين أحضانها..
لكن حظّ النحس أبى إلاّ أن يعاكسني ، فماتت العجوز ورمى بي ورثتها إلى الشارع…
أكلت بمزابل الحيّ وافترشت أنا وابني الأرض وتلحّفنا السماء…
لكن من يقبل أم عزباء لتشتغل عنده ، أتظنّه سهلٌ أن أتخلّى عن إبني
بكت وجففت دمعها بعصبية واضحة
ـ إنّه ابن الوحش أكيدا… لكن أظلّ أمّه ، وقد نمى في أحشائي …

تنهّد إبراهيم :
ـ لاحول ولا قوّة إلاّ بالله ، إنّه الجبّار المنتقم من كلّ ظالم طاغي …هيّا ورائي…

تتبّعت خطواته إلى بيت أهله كما أمرها ، وجد أمّه تسلّم من صلاة الفجر ، تنبّه حينها أنّه فاتته الفريضة ، طلب من أمّه الإهتمام بالفتاة .

أيطّو المرأة الأمازيغية لم تشكّ يوما في أخلاق ابنها ، ضيّفت البنت وآوتها لفراش لترتاح ، وبعد أن أحكمت إغلاق الباب …توجّهت لابراهيم لكي تستفهم عن الحكاية…
وبعد أن أشبع إبراهيم فضولها ، استرسل قائلا
ـ ومحمد أخي لم يرزق بأطفال …لما لا يأخذه ويربّيه ويكتسب أجرًا وإبنًا…

راقت لأيطّو الفكرة ، خصوصا وأمينة زوجة محمد ابنة أخيها ، وهي التّي اختارتها له عروسا ، ولم تنجب لحدّ الساعة ، وهذا المولود قد يجنّبهم مشاكلا أكثر تعقيدا…

مدّت الفتاة الطفل بعد أن أرضعته لآخر مرة من تذيها ، كأنّها تودّعه ويودّعها…
ضمّته أمينة في حظنها بشغف الأمومة وهي تنظر إليه بحبّ وحنان… بعدما أن مسحت دموع الفتاة بيدها ووعدتها أن تهتمّ به أكثر  ممّا تفعل أيّ أمّ ، إنّه أمانة عندها ستصونها ، إنّه الآن فلذة كبدها.

واليوم يحتفل المهدي بين عائلته بعيد ميلاده الثامن عشر …  العائلة التّي لم يعرف غيرها…
لكنّ إبراهيم…  لم تختفي صورة تلك الفتاة بين عينيه… وكيف خرجت ولم تعد.

رابط مختصر

اتـرك تـعـلـيـق 0 تـعـلـيـقـات

* الإسم
* البريد الألكتروني
* حقل مطلوب

البريد الالكتروني لن يتم نشره في الموقع

شروط النشر:

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة اثرك الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.