إنتظار قاتل

مشاهدة
أخر تحديث : الجمعة 5 يناير 2018 - 12:45 صباحًا
إنتظار قاتل

إنه الأمل يحتظر في دمها..ذاك الأمل المهدد بالخيبة…مقدماً ومؤخراً تواجه نفس الأسى بصدرٍ عاري تلوكه هواجس الفقد والغياب

أليس غريبا،أن نتناول في كل يوم أوجاع الحرمان المضرة بصحتنا طوعا…وأليس أيضا من العجائب أن يهزم سرورنا أمام مواقيت الأسى بدون أدنى جهد.

والدمع في حالة تحرش لا نعرف له صدا..ما نعرفه هو أننا ننتظر خسائر تُدَمِّر نعمة البهجة فينا حينها..وتجعلنا على كتف الوحدة نهوي مثقلين بفاه الصمت

ها هي هناك…ككل يوم تنسى نفسها أمام الباب..تُـدقق النظر في المارة بوجهها الغريب..وتستأنس بهم على مدى ساعات الصبح والمساء..إنها الوحدة من تفعل كل هذا

ملامح وجهها متعبة،مجهدة من فرط التأمل بأبناء الجيران المجتمعين في مسامعها القديمة..يومياً لا تضيع جلوسها سُدى..كل هذا يغريها ويزيد ولعها بعودة إبنها وتحلم..

بل تأمُّلها فيهم يغريها بأنّ إبنها الذي غامر بسعادتها جالس بينهم..وسرعان ما سيعود بسرعة..صعبٌ جدا أن يزداد يقيننا بوجود شيء غير موجود..قمة الجنون إذن

يا لعجزها عن النسيان..ما عادت تدري من تكون،لكنها تتذكر وتشغل فكرها بفلذة كبدها باستمرار..مفارقة عجيبة أيضا

يا لوفاء أمٍ يزيد حبها خارج خريطة المألوف..تنتهك قانون الحب إلى حب ليس له قرار..

ياه، كم نحتاج من توبة لنغسل كل الألم الذي سببناه لأمهاتنا العزل إلا من رحمة..إلا من خير متعذرٍ علينا بلوغه ولو بعد عمر كامل.

هناك، ومنذ ميلاد البشرية من يرغمنا على الخروج من صمتنا..هاهو الحاج المعروف بلطفه يحاول خلق جوٍ صالح للفرجة مع تلك العجوز التي شاءت أن تموت مع قدرها

يسائلها ويسأل عنها وعن حالها الذي أضاعه المدار…صباح الخير يا ربيعة..صباح اليسر والسرور..

تجمد نظرها حول رجلٍ ما يتوانى عن ممازحة وُجدها المشتعل المنفعل..وترد بنفس الجميل..صباح النور،صباحك كوجهك نور على نور.

بخفة حركة فموية،يُخفي إبتسامةً مخفية..كأن كلامها عنه لفت إنتباهه،وراق له ما سمع منها..من راحة يده،قال لها:هل تحتاجين لشيء أحظره لك..

هي عجوز أكثر من نصفها عجز..طلبت منه أن يحضر لها خبزةً تخفض منسوب جوعها،معتادة هي على البساطة في الأكل والفداحة في الآلام،

مقابل تلك الإبتسامة رضي بطلبها وودعها على أمل أن يعود إليها قريبا محملا بإحتياجاتها الغارقة في البداوة…

كم رائع أن نجد من يأتون لسلام علينا عندما نكون قد فقدنا صوتنا وغدا الصمت رفيقنا..أرضنا على خير مادام فوق ترابها هؤلاء.

ربيعة،تعيش في زمن غير زمنها…كل ما يربطها بين الإثنين،إبنها خالد الذي داسته أقوال الغنى،ومظاهر الرفاه فيما وراء البحار..كان يحتاج لشيء من الخيانة لينقذ نفسه من هذا الوطن المستباح

يحاول جاهدا جمع المعلومات التي تخص الهجرة،التي تخص العواصم الأروبية متسولا أحلامه الكبيرة فيها..لاوجه للذين يحلمون أكثر من المتوقع،لا لون يربطهم، إنهم عديمو اللون

في أول فرصة متاحة،جمع حقائبه وودع أمه قائلا: أنه في رحلة ترفيهية مع أصدقائه لأجل تغيير أجواءه المملة،قبّلها بقوة وتلعثم أنه يحبها،وقال كلمتين:

سأعود قريبا..كذب عندما وعدها بالعودة،ربما أُخترع الكذب لستر الحقيقة من الظهور،لستر الهروب من واقعه الذي لم يمنح له غير السخرية والبطالة

مع الفجر كان المركب مستعدا للإنطلاق،البحر هادئ كما لو أنه يخبره أنه يسانده،يدعمه..

نادى المشرف على المركب الجميع وأوصاهم بإلتزام الهدوء،والإستعداد لكل طارئ..وكانت نصيحته الأخيرة:القفز في الماء بمجرد رؤية ضوء يشعرهم بأنه يقترب..

ركب الجميع في وهدة الخوف،كأن عيونهم تصيح “رحمة الله عليكم يا نحن”..تنعدم الإختيارات عندما لا نجد غير إتجاه واحد

مضى المركب،وبصر خالد موجه للوراء،يفكر في أمه التي تركها وحيدة،لا من يتبرع بالعطف عليها،ولا من يحس بوعكتها إن سقطت فجأة..يدمع..يدمع بعنف

على ذاك الوقع إنقلب المركب بقدرة قادر على إثر إصطدامه بصخرة،في وسط طريقٍ لن يكتمل،بلع خالد الماء المالح ضجرا بالنجاة،إختلطت دموعه بماء البحر

في ذاك الموقف،كان الصراخ سيد الموقف،وكان الموت أقوى منهم جميعا..في غمرة..مات الجميع،وعاد للبحر هدوءه،إنه أكل خالد،وأخذ شبابه كله،

من ذاك اليوم،لم يعد خالد،ولم يعد لربيعة ما يشغلها غير التفكير في عودته..يوميا عندما تستيقض تقوم بالجلوس أمام الباب،تظل تبحث في إنتظار

عسى تجد من يخبرها عن خالد الذي أخذ عقلها معه،وتركها مع روحها تتألم بغيابين..غيابه الطويل عنها، وغياب فكرها الذي لا يمتهن غير مهنة التفكير برجوعه..

إنه نزيف لاصق كضمادة..يجعلها في وضع غبي -تجسد صورة تنتحر بإستمرار بين جسور الماضي والحاضر..تقف وتتوقف عاجزة عن التحرك،بهوادة تنهزم أمام عينيها المشحونتين بالشجن

كان الوقت متأخرا،ومازال وجهها يطل على المارة اللذين بدأو بالإختفاء بالتدريج،عاد الحاج وفي يدة الخبز وبعض الأغراض التي أضافها جودا من لدنه،أودع الكيس في يديها

وتمنى لها ليلة سعيدة..أي سعادة تكون في ليالي الموتى المحنطين بالوحدة…دعت له بالخير والرزق والأمن..إنصرف عن ناظريها،بيديها المجعدتان الثقيلتان تفتش في الكيس على مضض

نهضت من كرسيها الذي لا يبارح مكانه،ودخلت غرفتهابخطوات بطيئة تنم عن تعب صارخ من الحياة،مُغلقة الباب في وجوهنا..لا شيء يجعلها واقفة سوى رأفة السماء.


عندما ننتظر شيئا بشغف،علينا أن ننتظر هزيمتنا على يديه…ونعترف بذالك.

رابط مختصر

اتـرك تـعـلـيـق 0 تـعـلـيـقـات

* الإسم
* البريد الألكتروني
* حقل مطلوب

البريد الالكتروني لن يتم نشره في الموقع

شروط النشر:

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة اثرك الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.