إنسان غير صالح للإستعمال

مشاهدة
أخر تحديث : الجمعة 5 يناير 2018 - 5:29 مساءً
إنسان غير صالح للإستعمال

ينتابني شعور لزج بالبكاء..بعيدا عن حافة الفرح أقف في جموح أستقبل الحزن المتدفق من حولي..

أعود مجددا بدون إنجاز..أعود محملا بالخيبة التي تعبرني دون إستئذان…أعود إلى نفسي بذاكرة متعبة تهز صدري شجنا.

الساعة السابعة صباحا..أجتاح شوارع وحدتي حين تفوح رائحة الخبز..بجلال أرقي أنتقل في هذا العالم الكئيب..من متجر لبقالة..من مقاهي لــ فنادق..

فأنا المُــجاز زهدتُ ما يكفيني بين أروقة الكتب والدفاتر..لأجد نفسي مفلسا من إجتهادي أجوب أزقة مستقبل لا يرحم, باحثا عن رزق تتناقله ألسنة تشكو من قسوة الظروف

عاودت البكاء..مجددا تضيق نفسي التعيسة وسط واقعٍ غير متكافئ..في غرفتي المنسية ألتهم دموعي بمنديل الأسى..

أنا هنا أيها الحزن..خذ مني ما تبقى..فليس لدي ما أخسره أكثر مما ضاع

أمي المسكينة..أتراها تتحمل وجهي الممسوخ من فرط الهموم..أتراها ترتاح وهي تتأملني في إشمئزاز أسير نحو الهاوية..حلّ الظلام وعدت رجلا أربعيني خذله الوطن.

كيف السبيل إلى الخلاص..؟ أيها الموت الجليل خذني إليك..فأنت الوحيد القادر على تحضير مأتمي الذي تعفن وعطُن…

أبي في تلك المقبرة دُفن..هو لم ينتظر شيئا ليرى  شرودي ككلب مسعور..يقضي ساعات مديدة  ينبح..إنه يتألم ولا أحد يشعر به..إنه أنا -ذاك.

لقد رحل أبي عني قبل أن أولد..أعلنني مدينة مفتوحة لنّحيب..هل ثمة أقسى من أن تولد يتيما وتعيش غريبا لا تدري معنى العاطفة..؟

فما ذنبي إن ولدت يتيما..؟ وما ذنب قلبي أن يتحمل رؤية سعادته كجثة هامدة ألقى بها الويل لمثواها الأخير..سأنسى..فقد إقتنعت أن النسيان نعمتي ما دامت كل النعم ضدي..

تظل أمي تعمل في إستحياء..تمسح زجاجات جديدة لبنك قديم..تنظف “تواليت” لأناس إعتادو رؤيتنا نتعذب..تغسل أواني الذل في مقاهي متخلفة..

هي أمي كَـبدي..كيف لي أراها تتقلد أعمال الدُنى وتتعرض لخنجر يومي من السب الشتائم ..؟ أنا المذنب الجاني لا طاقة لضميري أن يغفر لي

اليوم بتوقيت غربتي..نهضت باكرا كعادتي وكلي أمل أن أُغير وأتغيّـر..كُــلي رغبة وإشتعال..قضيت أمرا بيني ووُجدي أن لا أعود إلى البيت إلا ومعي مفتاح الخلاص..

سرعان ما سأعود مساءا سأخبر أمي أنني ونفسي لها خداما عساها ترتاح..

ليلة كاملة أرقة..وتفكير أوقف كل رحلات يأسي وحل نورٌ في مخيالي يدلني لمزيد من صمود..أصبحت إنسانا آخر لا أجد شبيها له. ربما ‘في الفقر وفي التعاسة’.

عمري بلغ الأربعين..من سيقبلني كخادم إنطفأت شمعته وتحلل شبابه..

من سيفهم كآبتي ليشم ريح التمزق تشد جنبات قلبي..إييه,

شخص ما دعا عليّ ومات..لابد وأنه أبي..وساوس تفقدني تركيزي وتزيد السواد  الملفوف في عيني

دخلت مكتبة تقتنع بشرعية إمتلاكنا لحق الحياة..كل الكتب تتحدث عن حقوق الإنسان فيها..كل الكتب لابد وأنها مؤلفة لخدمة البشر..

إستأذنت من مالك المكتبة..

السلام عليكم ورحمة الله..كنت أحس بأن تحية الإسلام تنعمني بالسلام..وكأني أقول للآخر..بأي حق تكرهني..؟..

ردّ بطريقة مهذبة طوت أسئلتي المخبوءة..

عليكم السلام ورحمة الله…

مباشرة نظرت في وجهه..كانت نظرتي نظرة فقير إستيأس به الحال:

أستسمحك عذرا سيدي..وبدأت أحاوره حوارا خارج المنطق..أقصد حوارا خارج رغبتي..شغلته بأشجاني وملَـكني بإنصاته..

قاطعني في فترة مضادة..بنبرة مستبشرة ورطني بعلاقة أمل..

ماذا يتوجب علي فعله لأجلك..أو بالأحرى ماذا تريد مني..؟

كان مثقفا وواعيا لدرجة أنه ظل يبحث عن جواب لتفاصيل سؤالي عن حياتي والهموم…ترْجـَـمه سؤاله الصريح هذا.

بصوت هادئ لبق يختزل صفير دواخلي المتأهبة للإنفجار قلت له:

أريد عمل..كيفما كان..أريد راتبا يسد الرمق ..بإمكاني توفير -الزيت والخبز والغاز منه..لا أريد أكثر من هذا ..

يرد هذه المرة مرتفع النبرة إلتف حولي,وأحسست كأنه يريد وضع قبلة على خدي لتنويه بصمودي,وقال:

آسف أنت في سن متأخرة,لقد كبرت عن العمل..ألا ترى:أنظر لتجاعيد وجهك..ألا تجد أنك غير قادر على خدمتنا..فآلاف الشبان يقصدوننا لذالك,فنردهم خائبين..

أقدم له أقوالا تثبت حاجتي لهذا العمل على عجل..فقد قصدت كل الأبواب منذ 20 عاما ولم يفتح لحد الآن أي باب..لاتردني على هذا النحو..فقد أخبروني عنكم..وضننتكم أملي.

لا عمل هنا..أرجوك إبحث في مكان آخر..كان آخر جوابه..وكان هذا آخر باب أدقه..

كيف لمالك مكتبة جلها أخلاق وعلم..أن يعاملني بأسلوب البذاخة والرداءة…؟ إنني أربيعيني أفلا أستحق الإحترام..؟

خرجت من هناك مستفيدا أن لا فرص عمل في مكان تعرفه..إنني ألهو بإندهاشي بأقداري لتبدأ الكارثة,

أقطع الطريق السيار وعقلي في جولة مع جديد الخيبة..إذ بسيارة الموت تصطدمني لتقلني مباشرة إلى الآخرة..

أخبرو أمي أنني قد مت.أنني في ثلاجة الموت في مستشفى الآخرة..أخبروها بهذه الفاجعة بطريقتكم..وتحملو العاقبة إن لم تتحمل..

ثم إنني لم أمت بعد..

فهناك الكثير من أمثالي يعيشون مثلي..أنا أخير إرتحت منكم ومن عالمكم..لكنهم هم ما زالو قيد إنتظار أمل..ربما أملٌ سيكرر نفس مصيري.

رابط مختصر

اتـرك تـعـلـيـق 0 تـعـلـيـقـات

* الإسم
* البريد الألكتروني
* حقل مطلوب

البريد الالكتروني لن يتم نشره في الموقع

شروط النشر:

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة اثرك الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.